|
كتب الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الواصل
|
|
الإثنين, 13 أبريل/نيسان 2009 23:28 |
|
الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الواصل آثرتُ كتابة مقالتي هذه بعد انتهاء مهرجان عنيزة الثاني للثقافة بأسبوعين؛ لأتخلَّص ممَّا قد يوصف بالفعل وردَّة الفعل، ولا شكَّ في أنَّ المهرجان في نسخته الثانية حراك اجتماعيٌّ وحركة ثقافيَّة تبلور أفكاراً وتخطيطاً وتنفيذاً وإشرافاً يحسب لمثقَّفي المحافظة ومثقَّفاتها وفي مقدِّمتهم محافظها والأمين العام للجمعيَّة الخيريَّة الصالحيَّة، بل ولجميع لجان وفرق هذا المهرجان الذين نجحوا نجاحاً كتب أسماءهم بنور في حركتنا الثقافيَّة وحراكنا الاجتماعيِّ، فالمهرجان استقطب تحت شعاره أسماء أضاءت الوطن وتجاوزته إشعاعاً ونورا، فالوطن يتَّسع للجميع، وفعاليَّات المهرجان انطلقت لتتَّسع أيضاً للجميع تحت شعار المهرجان، وفي ضوء تعاليم ديننا وثوابته بأنَّ الناس مختلفون عن بعضهم اختلافاً أراده الله لحكمٍ عرفنا بعضها وغابت عن بعضنا، وبتوجيهات قائد الحوار الوطني خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله تتبلور الرؤى والأفكار والتوجُّهات المختلفة لصالح الوطن، إذْ وجَّه يحفظه الله أثناء زيارته منطقة القصيم بنبذ التحريض والتصنيف ممَّا شاع بين متحاوري التيَّارات الفكريَّة والطوائف إلى درجة تمادي بعضهم فيه بالتكفير والتفسيق والتخوين؛ بل وأمسى مساراً للفئة الضالة المغرَّر بها من مدِّعي الغيرة على الإسلام وعلى الوطن.
وحيث غاب شعار المهرجان عن بعض من حضروا محاضراته وندواته، وغابت عنهم حكمة الله سبحانه وتعالى بخلقه الناس مختلفين، بل وغابت عنهم توجيهات خادم الحرمين الشريفين للمتحاورين، جاءت مداخلاتهم لتخدم أعداء الدين والوطن، والفئة الضالة، فحرَّكت غائبين عن فعاليَّات المهرجان من المتوارين وراء أهدافهم المختفين في زوايا تيَّاراتهم ليعتلوا بعض منابر جوامع المحافظة، أو ليكتبوا في الصحافة الإلكترونيَّة، متجاوزين ما طرح من آراء وأفكار ليتناولوا المحاضرين في أشخاصهم والجهات في مسؤوليها، وإذْ لا تتَّسع مقالتي هذه لعرض كلَّ ذلك ومناقشته فستقتصر على اثنين حاضر مداخل وغائب صائل. أما الأول فخطيب جامع الهوتة الشيخ محمَّد شايع الحصّيِّني الشاميُّ مولداً ونشأة السعوديُّ بعد تجاوزه الأربعين من عمره، كان في مداخلاته متشنِّجاً محرِّضاً مصنِّفاً للمحاضرين ولغيرهم، مطيلاً مداخلاته المرتَّبة مع تيَّاره، معلناً فكراً متطرِّفاً إقصائيّاً، منطلقاً من أحكامٍ مسبقة منه ومن تيَّاره على المحاضرين؛ غير متنبِّه لمحدِّدات أفكارهم وأحكامهم مستنكراً عليهم وجهات نظر في مسائل مختلف عليها حدوداً أو توقيتاً أو ظرفاً ممَّا هي مجال الأكاديميِّين المتخصِّصين لا من لا يمتلك أدوات البحث العلمي، ووجد فيما بعد الفعاليَّات في زوايا تيَّاره تشجيعاً وحفزاً، ليغذِيها بالنقل والاستنتاج لغائبين انطلقوا منهما ومن أحكامهم المسبقة على المحاضرين وعلى الجهة المنظِّمة لإعداد خطب جوامعهم تأييداً له وتوسيعاً لعمليَّات التحريض والتصنيف والتفسيق والتخوين. أعقب الحصيِّني مداخلاته بتصريحه لصحبفة المجلس فقال عن المهرجان: "هو مع الأسف بعيد عن الثقافة فهو مهرجان مخرِّب، استقطب علمانيِّين وليبراليِّين معروفين بكتاباتهم ضدَّ ثوابت الدين"، ومحتجاً على تنبيهه على طول مداخلته، وبمساسه المحاضرين بأشخاصهم ودينهم، ومثله حين يفتقد آداب الحوار ويثير الشغب لا توقف مداخلته فقط بل يطرد من القاعة طرداً أمنيّاً ويحاسب لاحقاً، تطرَّف فكريّاً فادَّعى بتصريحه أنَّه وتيَّاره فقط "هم أصحاب الفكر الإسلامي الصحيح"، فيما سلامة الفكر وإسلاميَّته يثبتها الحوار الهادئ أو ينفيها، وما فكر القاعدة وفكر الفئة الضالة وفكر طالبان وفكر الإخوان المسلمون ببعيد عن ذاكرة الشيخ الحصيِّني وفكره، إذْ استشهد ببعض عباراتهم وأفكارهم بمداخلاته، ومركز صالح بن صالح الاجتماعي إذْ يقف أمام هذا الفكر لكي لا يتسلَّل إلى بلادنا من خلال مداخلات الحصيِّني ومرافقيه إنَّما يمارس واجباً دينيّاً وأمنيّاً ووطنيّاً، وحرَّض الحصيِّني من وصفهم بأصحاب الفكر الإسلاميِّ الصحيح وبأنَّهم الأنضج والأكثر تفاعلاً مع الجمهور وأنَّ حضورهم ومشاركاتهم ستزيد الجمهور عدداً عن الثلاثين كما قدَّرهم افتئاتاً، فيما المتوسِّط كان بين 80 – 120، ووصف الحصيِّني المهرجان " بأنَّه فاشل جدّاً، وأنَّه ركب تيَّار التغريب والاستشراق (ضدَّان لا يجتمعان)، لأنَّه كان محطِّماً لعقيدة الولاء والبراء؛ لأنَّ المحاضرين من الليبراليِّين الذين يكتبون في صحيفة الرياض، وقال إنَّ بعض المحاضرات ألغيت من دعاء المسلمين. أمَّا خطباء منابر جوامع السليمانيَّة والأشرفيَّة والصالحيَّة وقرطبة فاجتهدوا باستثارة عامَّة المسلمين وتحريضهم باسم الدين، مصنِّفين محاضري المهرجان ومنظِّميه ومخوِّنين لهم متغافلين عن توجيهات خادم الحرمين الشريفين، ومتجاوزين تعليمات وزارة الشؤون الإسلاميَّة، سمعت ذلك مسجّلاً لخطبة جامع قرطبة ونقلاً عن الجوامع الأخرى، خطب كأنَّها أعدَّت في مجلس واحد أو سبقها اجتماع صياغة وتحرير، خطباء لم يحضروا محاضرات وندوات تناولوا أصحابها بشخصيَّاتهم وبعقائدهم أكثر من طروحاتهم وأفكارهم، فلو حضروا وداخلوا وعلَّقوا مستحضرين آداب الحوار لكان ذلك أسمى هدفاً وأزكى أسلوباً، وفي مقالتي هذه سأتناول خطة جامع قرطبة المسموعة تسجيلاً، فالخطيب وصف محاضري المهرجان ومنظِّميه بالطابور الخامس، فخوَّنهم واتَّهمهم بالعمل ضدَّ الإسلام والوطن، واتَّهم المحاضر المستشهد بقوله تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدم) بتسويته بين الإسلام والكفر، فيما تسويته بين النَّاس بآدميَّتهم وإنسانيَّتهم، وتجاوز محاضرته إلى مقالاته ليتناول أفكاره عن ثقافة الحلال والحرام مستنكراً مناداته بتخفيف ذلك تجاه الأطفال قبل تكليفهم، واستنكر على من أنكر اسمه ساخراً بأنَّه بلغ من الكبر عتيّاً حول فهمه للآية الكريمة (إنَّما يخشى الله من عباده العلماءُ) وأنَّها جاءت في سياق ذكر الله لعلوم الطبيعة، بل قال عنه مكفِّراً: بأنَّه يفسِّر القرآن بهواه، فيما تفسيره اجتهاد تجاوز به النقل ليعمل عقله، ووصف المحاضرات بأنَّها يراد منها ترسيخ الليبراليَّة والشعوبيَّة ( ضدَّان لا يجتمعان)، وتهجَّم على صاحب محاضرة الانتقال من التسامح مع المختلف إلى الإقرار بحقِّه ومنحه إيَّاه، وتناول شخصه وكتبه ومقالاته، بل إنَّه اتَّهم المشرف العام على المهرجان بما اتَّهمه به ويحفظه تسجيل الخطبة. وما أثار المداخلات والتصريحات ودفع لتلك الخطب هو الآتي: . فهم الأستاذ الدكتور راشد المبارك للمقصود بالعلماء في قوله تعالى: (إنَّما يخشى اللهَ من عباده العلماء)، مستبعداً الفقهاء والوعاظ. . عقيدة الولاء والبراء وشعيرة الجهاد باعتبارهما يتأثَّران بإعلانهما وتطبيقاتهما بضعف المسلمين وقوَّتهم واستعدادهم. . فهم الدكتور علي الخشيبان لقوله تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدام) بأنَّ تكريمهم لإنسانيَّتهم بما تتطلَّبه من حقوق. . دعوة الأستاذ نجيب الزامل للتعايش السلمي لا المواجهة مع طوائف لا يمكن تفريغ بلادنا منهم ولا تحويلهم مذهبيّاً. . عنوان محاضرة الشيخ حسن المالكي وهو يقصد بالتسامح مع المختلف التسامح في الحوار والإقرار بحقِّه في الحوار لا أكثر. . أسماء كالأستاذ إبراهيم البليهي، والأستاذ تركي السديري، والأستاذ عبدالرحمن الحسيني، والدكتور حمزة المزيني لم تسلم من تصنيفهم والتحريض ضدَّهم بالرغم من اعتذاراتهم عن مشاركاتهم لظروف أعمالهم ومهمَّاتهم الطارئة. لم يتوقَّف الأمر عند ذلك بل إنَّ الحوارات اللاحقة في ثلوثيَّة أبي نهار حول تقويم المهرجان أبرزت الآتي: . اختيار المحاضرين دون أن يكون من بينهم من يصفونهم بذوي الفكر الإسلاميِّ الصحيح، وهذا بحدِّه تحريض وتصنيف، علماً أنَّ المنظِّمين دعوا الشيخ عبدالمحسن العبيكان، والشيخ سلمان العودة وغيرهما فاعتذروا عن عدم إعطاء موافقات قبل شهر، وأنَّ تلك تكون فبل عدَّة أيَّام ممَّا لا يتيح لأخذ الأذونات ولا يتَّسع لإعداد مطبوعات المهرجان، طرح جاء من أحد أعضاء مجلس الجمعيَّة الخيريَّة الصالحيَّة المنظِّمة للمهرجان مدَّعياً قدرته على الترتيب لذلك، فأين كان حينها؟! ليعرف أنَّ ذلك قد تمَّ. . انتقاد شعار المهرجان نختلف ولا نفترق والمطالبة بدعوة من لا يختلف معهم من أصحاب الفكر الإسلاميِّ الصحيح؛ وكأن المطلوب جلسات ذكر ووعظ وهذه لها أماكنها وأوقاتها، فكفى المهرجان ميزة إسهامه بدعوة من يُختلف معه فكراً وتوجُّهات ليتحدَّث أمام منتقديه، ومن لديه فكر وعلم يواجهه بالحوار لا بالإقصاء والتصنيف والتحريض عليه، ولا أن يبقى حبيس زويا تيَّاره ويدفع بشباب لينقلوا له ما دار في المحاضرات والندوات، شباب يحوِّرون ولا يحاورون، يبحثون عمَّا يوافق رغبات مشايخهم فيما ينقلونه. . ولكن ممَّا يبعث على التفاؤل انتقاد أولئك الخطباء من قبل بعض مريديهم مبدين عدم ارتياحهم على استخدامهم المنابر لهذا في خطاب لعامَّة المسلمين. . ونوقشت اتِّهامات المنظِّمين المسقطة عليهم انتقادات للمحاضرين فكراً وتوجُّهاً وهذا يستبعد قاعدة فكريَّة ومهنيَّة أنَّ المنتديات والمهرجانات والصحف والمجلاَّت لا تتحمَّل مسؤوليَّات فكريَّة عن محاضر أو كاتب فكلٌّ يتحمَّل ما يقوله ويكتبه. . ونوقشت ضغوطات المناوئين للمهرجان ومنظِّميه على أمين عام الجمعيَّة الخيريَّة، ومعلى حافظ عنيزة المشرف العام على المهرجان، ضغوطات تمثِّل فكراً تحريضيّاً وإقصائيّاً، استهدف المهرجان علاجه بالحوار، وقد ادَّعى أولئك بأنَّهم وراء إلغاء بعض المشاركات فيما جاء ذلك نتيجة لاعتذارات أصحابها، ولكن فسِّر ذلك بأنَّه جزء من البحث عن الدور المفتقد من أولئك في المهرجان، والبحث عن مكانة في شريحة المثقَّفين، هذا التفسير كان له وقع مؤثِّر تبيَّنه الحاضرون صمتاً وانسحابا. ومجتمعنا كغيره من المجتمعات ذو حراك اجتماعيٍّ وحركة ثقافيَّة، وهو وإن لم يستكملهما بعدُ، ولعلَّ العامل المؤثِّر في استكمالهما هو الحوار بين أفراد المجتمع، فالحوار يحفز على الاستعداد وعلى إنتاج الأفكار والرؤى وعرض التجارب والمواقف؛ لتهذَّب بالحوار، وحينما لا يجد الحوار مجالاته ومساراته في مجتمع ما يتعطَّل حراكه الاجتماعيِّ وتتوقف حركته الثقافيَّة، ويسوده الفكر الواحد ويسيطر عليه الرأي الأوحد وتقدَّس التجارب والمواقف المنتجة من الطرف السائد والمسيطر، ويقصى الطرف الآخر ويصنَّف بإسقاط الصفات الفكريَّة المنفِّرة منه، وهنا إمَّا أن يرضى الطرف الآخر بالانزواء أو يكون أسلوبه لتغيير السائد والمسيطر هو الاحتجاج فالمواجهة. وانطلاقاً من ذلك وتأسيساً عليه قدَّم مهرجان عنيزة الثاني للثقافة محاضراته وندواته تحت شعاره نختلف ولا نفترق، في ظلِّ أهميَّة ضرورة النقد الذاتي، والاحتفال بالمراجعات الفكريَّة وتجديد طرق البحث العلمي وممارستها بما يخدم الحقيقة والحق فقط، فالمهرجان أرادها تساؤلات لا تجرُّ إلى سجالات تنتهي بغالب ومغلوب، ومداخلات لا تكون مناظرات، فالمناظرات تعني الانطلاق من مواقف ناجزة لتفنيد مواقف الآخرين وأفكارهم، وفيها منتصر ومهزوم واستقطاب للجماهير، لذلك يخوض مرشَّحو الانتخابات مناظرات لا حوارات، ويخوض المثقَّفون حوارات لا مناظرات. كما أنَّ مهرجان عنيزة خطَّط ليسهم في ضوء شعاره بتكوين وعيٍّ عام للمجتمع يوجِّه حراكه والاجتماعي وحركته الثقافيَّة ، فلا يريدها مداخلات المجاملات والثناء في نوع من التواطؤ على التطبيع الثقافي اللحظي للانفكاك من عسر اللحظة، وأراد أن يرتفع السقف ليتحمَّل الحوار الحقيقيَّ حول الأفكار ويتَّسع للأبواب التي سيفتحها وإلى الفضاءات التي سيخرج إليها. أراد هذا وما أراد وعي الغالب والمغلوب، والصواب والخطأ، وعي السحق والفضح والتعرية، وعي الانتصارات والاستفتاء على الشعبيَّة والاكتساح الجماهيريِّ. الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الواصل
|
Views :533Times