• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • green color
  • red color

صحيفة المجلس

الخميس
Sep 09th
(+) (<>) (-)
TASI 6,715.35
صحيفة المجلس كتاب المجلس التجاوزات الدستورية تتوالى والأزمة العراقية إلى طريق مسدود
التجاوزات الدستورية تتوالى والأزمة العراقية إلى طريق مسدود | طباعة |
تقييم الزوار: / 4
مقبولممتاز 
كتب editor1   
الإثنين, 19 يوليوز/تموز 2010 13:13

حميد الكفائي *

 أول تجاوز دستوري ارتكب بعد الانتخابات الأخيرة في العراق كان تدخل المحكمة الاتحادية بطلب من «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، وسماحها بتشكيل كتلة نيابية من قوائم انتخابية بعد الانتخابات، بينما التفسير الدستوري السابق والمنطقي للمادة 76، والذي قبلته كل الكتل السياسية في الانتخابات الماضية والتي سبقتها، بما فيها الكتل التي تعترض عليه حالياً، هو أن «الكتلة الأكثر عدداً» هي تلك الكتلة المُشكَّلة قبل الانتخابات والمُسجَّلة لدى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. لكن التفسير الجديد لرئيس مجلس القضاء الأعلى، مدحت المحمود، الذي يعتقد كثيرون أنه تم نتيجة ضغوط سياسية، قد عقّد المسألة كثيراً وتسبب في وصول العملية السياسية برمتها إلى طريق مسدود.

 

وبعد هذا التجاوز الواضح على الدستور والسوابق الانتخابية، التي لا تقل أهمية عن المواد الدستورية في الكثير من البلدان، توالت التجاوزات الدستورية الأخرى. فقد امتنع عدد من النواب الجدد، ممن يشغلون حالياً مناصب تنفيذية، عن أداء القسم باعتبار أنه لا يجوز الجمع بين المناصب التنفيذية والتشريعية. هذا الامتناع يرمي بهؤلاء النواب خارج البرلمان كلياً لأن أداء القسم هو فاتحة المباشرة بمهامهم الجديدة، ولا يحق لمن لم يؤد القسم التصويت والاجتماع والتداول في القضايا السياسية في البرلمان. كان لزاماً عليهم تأدية القسم والتخلي عن مناصبهم التنفيذية امتثالا لإرادة ناخبيهم، لكنهم فضلوا البقاء في مناصبهم السابقة على الجلوس في البرلمان والتعجيل بتشكيل الحكومة الجديدة. التجاوز الثالث هو عدم انتخاب رئيس للبرلمان ونائبين له في الجلسة البرلمانية الأولى التي عقدت يوم 14 حزيران (يونيو)، وهو الموعد الأخير للمهلة المحددة دستورياً. التجاوز الرابع هو إبقاء الجلسة «مفتوحة» إلى أجل غير مسمى، وهذه بدعة جديدة تهدف إلى إخفاء الفشل السياسي والإيحاء بأن البرلمانيين ملتزمون بالمواعيد الدستورية وإن إبقاء الجلسة مفتوحة يبقيهم ضمن أطار الدستور. إن كان بالإمكان إبقاء الجلسة مفتوحة لأسابيع وأشهر فلماذا نص الدستور على مواعيد محددة بالأيام لإجراءات تشكيل الحكومة؟ 15 يوماً لعقد أول جلسة للبرلمان من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات، و15 يوماً لانتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، و30 يوماً لانتخاب رئيس الجمهورية من تاريخ عقد أول جلسة، ثم 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة الذي عليه أن يشكلها خلال 30 يوماً فقط. هذه هي المواعيد التي نص عليها الدستور بكل وضوح والتي كتبها السياسيون المتنازعون حالياً وصوّت عليها الشعب في استفتاء 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2005.

كل هذه المواعيد انقضت الآن ولم ينتخب رئيس للبرلمان ولا رئيس للجمهورية كي يسمي رئيساً للوزراء، والخلاف لا يزال محتدماً أكثر من أي وقت مضى على المناصب العليا، وبالتحديد رئاسة الوزراء. لم تنفع المناشدات الشعبية للسياسيين بتجاوز خلافاتهم والنظر إلى المصلحة الوطنية بدلا من الحزبية والشخصية، ولا التوسطات الداخلية والخارجية، ولا مناشدات المثقفين والأكاديميين والعلماء، ولا مطالبات مراجع الدين ولا الاستياء الشعبي من تدهور الخدمات، كل ذلك لم يغيِّر من قناعات السياسيين.

من تذوق السلطة لا يريد منها فكاكا، ومن فاز في الانتخابات متمسك بحقه الدستوري بتشكيل الحكومة، وليس من لوم يقع عليه، فهذه هي قواعد اللعبة التي اتفق الجميع على الالتزام بها، أما الآخرون فهم أيضاً يريدون المشاركة في الحكومة، منتظرين حاجة الآخرين إليهم.

يبدو أن المعركة لن يحسمها سوى واحد من أمرين. الأول هو أن ينفرط عقد «التحالف الوطني» رسمياً ويعلن طرفاه الرئيسيان أنه لم يعد قائماً، خصوصاً وأن هناك خلافات كبيرة وواسعة بين أطرافه جميعها، وليس فقط بين الطرفين الرئيسيين وهما كتلتا «دولة القانون» و «الإئتلاف الوطني». وبذلك لن يبقى عذر للخلاف والتناحر لأن الكتلة الأكبر ستكون عندئذ «القائمة العراقية» التي لها الحق في تشكيل الحكومة، بالائتلاف مع كتل أخرى، وسيكون مرشحها، الدكتور إياد علاوي، رئيساً للوزراء. الأمر الثاني هو إعادة الانتخابات باعتبار أن الانتخابات الماضية لم تكن حاسمة ولم تسفر عن حل لأزمة الحكم في العراق.

إعادة الانتخابات ليست خياراً سهلا، فهي تتطلب مزيداً من الوقت والجهد ومزيداً من الأموال، من جانب الدولة والمجتمع والأحزاب السياسية والمرشحين على حد سواء، بالإضافة إلى احتمالات التزوير التي قد يلجأ إليه البعض من المستميتين من أجل السلطة، وإن حصل تزوير يغير النتائج لصالح طرف معين، فإن ذلك سيقود إلى مزيد من الفوضى والتناحر وربما الحرب الأهلية. لذلك يجب ألا يُلجأ إلى خيار إعادة الانتخابات إلا عندما تنعدم كل الحلول الأخرى. إنه خيار سيِّئ لكنه مع ذلك أفضل من الحلول غير الديموقراطية التي قد يفكر البعض باللجوء إليها.

مشكلة العراق أنه ليس هناك ضامن لاستمرار العملية الديموقراطية في ظل غياب الالتزام الأخلاقي بمواد الدستور، والضامن الأساسي هو الولايات المتحدة التي يبدو أنها لم تعد مهتمة بالعراق لأنها بصريح العبارة «تعبت» وخسرت كثيراً من جراء انخراطها أو تورطها في القضية العراقية.

المسؤولون الأميركيون الحاليون يعتقدون أن الأفضل لهم هو ترك مشاكل العراق للعراقيين فهم «الأقدر» على حلها، لكن الوضع الحالي يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن العراقيين غير قادرين على حل مشكلة الحكم بأنفسهم، فلا الخاسر مستعد لقبول الخسارة والتخلي عن الحكم للفائز، ولا الفائز قادر على تفعيل فوزه بسبب عدم وجود الآليات التي تمكنه من ذلك.

التجاوزات الدستورية أعلاه لم تكن الأولى، وأحسب أنها لن تكون الأخيرة، فقد سبقتها تجاوزات أخرى أولها كان عدم التقيد بمواعيد التعديلات الدستورية بموجب المادة 142 من الدستور والتي نصت على تشكيل لجنة لتعديل بعض مواد الدستور خلال أربعة أشهر من تاريخ عقد اول جلسة للبرلمان، وأبرزها عدم تطبيق المادة 140 حول كركوك في موعدها المحدد في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2007، مروراً بالتجاوزات الأخرى التي حصلت عند ترشيح إبراهيم الجعفري لرئاسة الوزراء والذي عارضته كتل برلمانية كثيرة آنذاك لكنه بقي متمسكاً بالترشيح حتى اضطرت الكتلة التي رشحته لاستبداله بنوري المالكي.

التجاوزات الدستورية المتكررة حوّلت الدستور إلى «مزحة» وزعزعت ثقة الناخب بالنظام الجديد وهذا سيترك آثاراً لا تحمد عقباها على تعامل الدول الأخرى مع العراق، بالإضافة إلى الرسالة الخاطئة التي تلقتها المجاميع المسلحة التي تزدهر على ضعف النظام السياسي والتناحر بين القوى السياسية. لا يزال العراقيون بحاجة إلى ضامن قوي قادر على منع انحراف العملية الديموقراطية عن مسارها وهو ليس بالأمر المستعبد مع وجود التخندق الطائفي والديني والقومي، إذ لا يزال هناك من هو مستعد لاستفزار العصبيات القومية والطائفية والمناطقية من أجل البقاء في السلطة أو الوصول إليها.

التعليقات (0)add comment


أضف تعليق

تصغير | تكبير


busy
 

Views :116Times