13410
(11 تصويتات, متوسط 5.00 من 5)
|
كتب editor02
|
|
الجمعة, 03 سبتمبر/أيلول 2010 14:12 |
|
يوسف عبد العزيز العوهلي
عزَّ الله سبحانه وتعالى العرب برسالة الإسلام، وآمن العرب بهذه الرسالة بصدق وحملها سيد الخلق وصحبه ومن لحقهم وحموها بأرواحهم وصانوها خير صيانة، حتى وصلت رسالة الإسلام إلى أقصى بقاع الأرض من الصين شرقاً حتى الأندلس غرباً.
وبخلاف ما يصوره كثيراً من المؤرخين "والحديثين منهم خاصة"، لم يكن العرب في الجاهلية همجاً وأميين، بل كانت لديهم ثقافة أدبية عالية المستوى. وكيف لله سبحانه وتعالى أن ينزّل قرآناً عظيم بلغته ومفهومه على ناس همج كما يزعم أعداء العرب من فرس ويهود. وأكبر دليل على ذلك هو أن الله سبحانه وتعالى تحدى قريش بمعجزة القرآن اللغوية: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ- البقرة 23 ومن المؤسف أن نجد من المؤرخين العرب أنفسهم من يلهث وراء ما يكتبه المؤخرين والصحافيين الفرس والغرب. ونجد كذلك الكتابات الصحفية والمنتديات العربية (وخاصة الإسلامية منها) مليئة بهذه المغالطات. وقد لا يقصد من بعض هذه الكتابات الضرر، وتهدف فقط لإظهار فضل الإسلام على العرب، وهذا أمر لا يُنكر. بالإضافة إلى هذا، لا يمكن أن تظهر حضارة أمة من الأمم بغتة على مسرح التاريخ إلا نتيجة نُضجٍ بطئ؛ فلا يتطور الأشخاص والأمم والنظُم إلا بالتدريج وبعد أن تصمد أمام عقبات كبيرة. وإذا ظهرت أمة ذات حضارة راقية على مسرح التاريخ يقول المؤرخون أن هذه الحضارة ثمرة ماضٍ طويل؛ ولا يعني جهل المؤرخون (أو عامة الناس) لهذا الماضي الطويل عدم وجوده. يقول المؤرخ والعلامة الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" والذي ألفه عام 1884 "كلما أمعنا في دراسة حضارة العرب وكتبهم العلمية واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، ولسُرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى الأقدمين، وأن جامعات الغرب لم تَعرِف ولخمسة قرون مورداً سوى مؤلفاتهم، وأنهم هم الذين مدَّنوا أوربا مادةً وعقلاً وأخلاقاً، وأن التاريخ لم يَعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يَفُقّهُم قوم في الابتداع الفنَّي" وقد يكون من المناسب أن أشير هنا إلى أنني لست من دعاة القومية ولا أنادي بها، وكذلك لا يمكن إغفال فضل الإسلام على العرب؛ ولكن رأيت أن أصحح بعض المفاهيم الخاطئة عن العرب التي أصبحت منتشرة الآن. ولا ننكر أن بعض علماء المسلمين (كـ ..الرازي وأبن سينا) اللذين تبنتهم الدولة العربية عبر قرون من الزمن ليسوا من أصل عربي، ولكنهم تعلموا اللغة العربية ودرسوا في مدارس عربية تحت ضل حكم عربي آمن وبتمويل من دولة عربية. بدأت المسيرة العلمية العربية من الدولة الأموية في دمشق عندما بدأت هذه الدولة بتعريب الدواوين المالية والعسكرية، ولم يكن لتعريب الدواوين آنذاك هدف علمي إنما بحركة التعريب هذه دارت عجلة العلم. وأصبح التخطيط العمراني في المدن التي أنشئها العرب أو التي طوروها في الشام والعراق ومصر والأندلس تأخذ بالاعتبار المدرسة بجانب المساجد والجوامع، وتطورت هذه المدارس في عهد الخليفة العباسي "هارون الرشيد ومن بعده أبنه المأمون" إلى جامعات تحتضن مختبرات ومكتبات وصلت إلى مرتبة لم يُشهد مثلها في تاريخ البشرية مجهزة بالمعدات لدراسة الكيمياء والطب والفلك والصيدلة وسائر العلوم. وكان المتعلمين والباحثين من مسلمين وغيرهم يتسابقون على هذه الجامعات من الشرق والغرب (من خوارزم، مروراً بفارس، والبلاد العربية وأوربا، والأندلس). وأقدم العلماء على الإطلاق، والذي كان له الدور القيادي في شتى العلوم، وتعلم منه العلماء العرب والعجم اللاحقين هو العالم النجدي الأصل العراقي المولد " يعقوب بن أسحق بن الصباح الكندي" من قبيلة كندة العربية، ولد في الكوفة عام 175 هـ (أي قبل أبن سينا بمائة عام) وكان هذا الإنسان عالماً بحق، حيث حفظ القرآن عند الخامسة عشرة، وتعلم الفلسفة وأتقن اللغتين اليونانية والفارسية، وبحث بتعمق لم يسبقه عليه أحد من علماء الإغريق في الرياضيات والفلك والهندسة والكيمياء وطب العيون والصيدلة، وألف ما يزيد على 250 كتاباً ترجمة جميعها إلى اللاتينية. ولهذا العالم العظيم إنجازات لم يسبق لها مثيل، تتطلب كتاباً خاصاً فقط لسردها. وأنصح القراء بمراجعة سيرة هذا العالِم. ويقول السياسي والمؤرخ الإنجليزي العنصري "أنتوني نتنج" في كتابه المليء بالحقد والكراهية للعرب "تاريخ العرب منذ العصر الجاهلي" والذي ألفه في السبعينات من القرن الماضي: "في عصر الخليفة العباس المأمون أنشئت الأكاديميات للتعليم الحديث ومدارس القانون، وبنيت صالات للعلوم، ومكتبات ومعامل وكليات تموّل من خزينة الدولة... وتُرجمت الكتب إلى العربية بواسطة فيالق من المترجمين الذين يسكنون في (بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد) التي كانت تحتوي على مكتبة وأكاديمية ومكتب للترجمة تحت رئاسة شيخ المترجمين، وهو مسيحي عربي، أسمه حنين بن إسحاق.. وكان يُدفع له من خزينة الدولة وزن الكتاب الذي يقوم بترجمته ذهباً" وبالمقارنة، فإذا نظرنا للشعب الفارسي الذي جاور الدولة العربية، لم نجد في تاريخهم أي حضارة سوى الفلسفة المنقولة من الهندية والإغريقية؛ إلا أن الفرس أبدعوا طوال تاريخهم الطويل في حروبهم ونزاعاتهم مع جيرانهم والتي جرت لهم الويلات والتشتت. فأين علماء الفرس قبل الحضارة العربية؟ ولنستشهد مرة أخرى بالمؤرخ الفرنسي لوبون، حيث قال في كتابه الأنف الذكر واصفاً ما وصلت أليه الحضارة العربية في أسبانيا: "وظن رئيس الأساقفة الأسباني أكزيمينيس أنه بإحراقه، في القرن التاسع عشر، مايزيد عن ثمانين ألف كتاب من كُتب أعداءه العرب قد محا ذكرهم من صفحات التاريخ إلى الأبد، وما درى أن ما تركه العرب من الآثار التي تملأ بلاد أسبانيا، خلال مؤلفاتهم، يكفي لتخليد أسمهم إلى الأبد" لست ممن يبكون على الأطلال، ولكن ليعرف أبناء هذه الأمة ما وصل أليه أجدادهم عندما أخلصوا إيمانهم بالله وتوحدوا، وتحققت كلمة القرآن بأن أصبح العرب "خير أمة أخرجت للناس". وكذلك ليعلموا أن تلك الحضارة العظيمة إنما تفككت ولم يبقى إلا أطلالها عندما فرطوا بإيمانهم بالله. وما نشهده الآن من اليأس والإحباط الذي أصاب أبناء هذه الأمة إلا نتيجة حرب فكرية شعوا تشنها الصحافة العربية (بما فيها الفضائيات العربية ومنها ما هو محسوب على الإسلام) والكتّاب العرب بقصد أو غير قصد. وهذه الحرب ناتجة أما عن جهل وسائط الأعلام هذه بتاريخها أو إنها تموّل بقصد لهدم ما يحاول أبناء هذه الأمة بناءه، والنتيجة واحدة.
|
Views :729Times