11322
(3 تصويتات, متوسط 5.00 من 5)
|
كتب editor1
|
|
السبت, 12 يونيو/حزيران 2010 06:07 |
|
القدس العربي - مروان العياصرة
(لقد تبيَّنت لي بوضوح عقلانية القرآن في كل سورة وآية) المستشرق الفرنسي جاك بيرك. لا غرو أن أبدأ بهذا القول في السياق المتصل بنقد العقل الديني، لصالح العقلانية العلمية، ولا غرو أن ألمح إلى ما شهد به الفيلسوف الماركسي الفرنسي (ماتسيم رودنسون) في كتابه 'الإسلام والرأسمالية'، في تناوله للعقيدة القرآنية قائلا في القرآن أنه (تحتل فيه العقلانية مكانا جدُّ كبير)، وبعبارة جزئية مكثفة يناقش بجرأة (تيولوجيا الوحي)، الظاهرة الأقل اتساما بالعقلانية في الأديان، حيث يخلص رودنسون إلى أن ظاهرة الوحي هي بذاتها أداة للبرهان والدليل، اتكاءً على أن وحدة السياق الفكري لظاهرة الوحي في تنزًّله على الأنبياء المختلفين زمانيا تحيل إلى اعتماد الوحي كبرهان، بمعنى أن (التماثل الجوهري) بين الوحي في أزمنته المختلفة يشكل حالة واحدة قابلة لأن تؤدي إلى (تماثل الرهان) حسب مصطلح (باسكال) من هنا يأتي تأكيد رودنسون على أن ظاهرة الوحي ليس بالمعنى الخارج على العقلانية.
والذي يؤكد أبعد من ذلك أن العقلانية الإسلامية (القرآنية) ذهبت لتثوير المجال العقلي للخروج من العقل المحض إلى العقل العملي، من خلال تبني الظاهرة القرآنية لثنائية الإيمان والعمل، وهذا نهج عقلاني إسلامي جاء قبل أن يقدم فيلسوف القرن الثامن عشر ايمانويل كانت (1724-1804) فلسفته في نقد العقل المحض (المجرد) ونقد العقل العملي، في مقاربة فلسفية للعقلانية والتجريبية، فقد وصلت العقلانية القرآنية إلى هذه المقاربة من خلال الوصل بين ما نظَّر له كانت في الربط والوصل بين ما اعتقده التجريبيون (أن المعرفة تكتسب بالتجربة وحدها) وبين ما تمسك به العقلانيون (أن العقل وحده هو الدَّال للمعرفة)، وقد أيقن كثير من الباحثين والمفكرين والفلاسفة في سياق الجدل بين العقلانية والتجريبية أن استعمال العقل دون تطبيقه على التجربة يقود إلى الوهم، والعقلانية القرآنية كانت قد سبقت في ترسيخ هذا اليقين، وهذا أيضا ما يدحض نفي (أركون) للخصوصيات الدينية بوصفها طقسيات وشعائرية تعبدية، فالدين حامل للمنهجيات والأسس النظرية المؤسسة للقيم والسلوك والعمل والبناء والتطور، وهي منهجيات في ذاتها أعمال بدلالات تعبدية (العمل عبادة) وجدت لتعزيز فكرة الله في الذات والوجود بما لا يمكن فصلها عن علاقتها بالسعادة والأخلاق كمثل أعلى للخير الأسمى حسب كانت، حيث رسخت العقلانية القرآنية لعلم الأخلاق (المعقول) بالتفكر والتدبر و (المنقول) بالنصوص، وقد قال تعالى (عن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وهو نص قرآني مكثف لحقيقة الاتصال بين العقل المحض والعقل العملي والعقل الأخلاقي، ولعل هذا الأخير (العقل الأخلاقي) هو الذي أدرك عدم حضوره الكافي المفكر الراحل محمد عابد الجابري، في المؤلفات والتصنيفات مع أهميته وضرورته في عصر الماديات. لقد وصل أصحاب النظرية العقلانية العلمية إلى حالة حرجة من التناول الفلسفي المرهق إلى الحد الذي يجعل ثمة حاجة لنقط العقلانية العلمية بمرجعيتها ومنهجيتها، حيث وصل الأمر إلى ما يمكن الاصطلاح عليه بـ (تديين العقل) نظرا للغلو والحدية في التبني للعقلانية، وعليه فإنهم لا عقلانيون في صورة عقلانيتهم المغالية بتقديس العقل العلمي، واختصار الإنسان بالعقل دون أقانيمه الأخرى، (الروح والجسد)، فحيث هم فصلوا بين العقل والروح، وصلت العقلانية القرآنية بين هذه الأقانيم، فإذا كان للعقل نظرية العقلانية العلمية فإن للروح أيضا نظرية الدين والاعتقاد، وإذا كنا نتفق على أن الإيمان ظاهرة لا عقلانية، فإنما لنؤكد بتساوق منهجي على أنها ضرورة لكل دين وربما لكل عقيدة غير دينية حسب الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه العقل والعلم. لا شك أن التحدي الحضاري الغربي لنا يكمن في التحدي العقلي العلمي، لكن بالمحصلة النهائية فإن العقل ليس إلهاً، والعقلانية ليست دينا، وإذا كنا بغير الكفاءة العقلية العلمية للندية الحضارية للغرب، فهذا ليس بسبب العقل الديني لدينا، وإنما بسبب قصور ترجمتنا العملية للمنهجية التي أسسها الدين الإسلامي، وفي توظيف العقلانية القرآنية توظيفا عمليا سليما ومحكما، ولن يكون لإقصاء أو نفي الخصوصيات الدينية أثر على إعادة بعث دورنا الحضاري والعلمي والعقلي، بل إن الأثر الحقيقي يكمن في إعادة قراءة منهجيات القرآن المعرفية وتطبيقها بوعي دقيق في ضوء إدراكنا للغائية الإلهية، بما يقيم الدليل على أهمية الوصل بين العقل والروح في ميادين العلم والاعتقاد. وخلاصة القول فإنه ليس بين العقل العلمي والعقل الديني خصومة، إلا فيما يتصل بنفي الأول للثاني، أو إقصاء دوره وقدرته على الدفع باتجاه البناء والتطور، ولعلنا لا نجانب الصواب بالقول أن العقل العلمي هو متضمن في العقل الديني، وفرع منه، ومنجز أو تكوين من تكويناته وتجلياته.
|
Views :869Times