• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
  • default color
  • green color
  • red color

صحيفة المجلس

الأربعاء
Feb 08th
(+) (<>) (-)
TASI 6,715.35
صحيفة المجلس مقالات الحياة ليست تاريخاً
الحياة ليست تاريخاً | طباعة |
(1 تصويت, متوسط 5.00 من 5)
كتب editor02   
السبت, 13 مارس/آذار 2010 15:51

المجلس - متابعات - الاسلام اليوم

الكاتب:  فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة

جلس صديقي (الذي هو أنا) ساعة يكتب فيها مقالاً كهذا الذي تقرؤه بين يديك ، وسُرّ حينما وجد المئات قرؤوا المقال ، والعشرات أفادوا منه، والآحاد علقوا عليه، ما بين مستحسن وناقد ومكمل ، وحتى مستهجن  ، فهو يرى أن الخصم ينفعك كما الصديق !

وجلس صديقي الآخر (في داخلي) ساعة وراء آلة التصوير, يتحدث إلى مشاهديه ومستمعيه ، وخرج منتشياً يشعر بأنه فُتح عليه ، وكان أكثر نشوة وهو يقرأ رسائل الإعجاب والتفاعل !

أما نفسي الحقيقية في العمق ؛ فعرفتها يوم عدت البارحة إلى فراشي، بعد جلسة طويلة مع فئام من الأحبة، تلاقوا على غير ميعاد في جلسة لقاء حافل بطيب الكلام وصادق الإحساس ، وشديد الاحترام ، تبادل فيه الجلساء معاني : الودّ والملاطفة وإدخال السرور ؛ ومنح الأهمية للآخرين ، ومعالجة آلامهم ومتاعبهم الحياتية والنفسية، بطريقة غير مباشرة, أصدقاءً في الأرواح والقلوب ، تلاقت أجسادهم لأول مرة؛ رجعت بعدها أشعر بأنني عشت تلك الليلة من حياتي كما يجب وكما أحب، بروحي وعقلي وجسدي، عيشة مكثّفة، أدركت أن الكثير من أوقات الناس تمضي في مثل هذه المناشط المحببة إلى نفوسهم ، تلك الأوقات التي لا يكتبها التاريخ؛ فأدركت حقاً أن الحياة ليست هي التاريخ .

التاريخ يدوّن السياسة والأحداث الكبار والمواقف الفاصلة والخطوط الرئيسة .

أما هذه التفصيلات الجميلة البديعة البسيطة التي تضيف الألوان الزيتية البديعة للوحة؛ فلا مكان لها في تاريخ الأرض ، وربما يكون لها مكان في تاريخ السماء !

لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)(الكهف: من الآية49) . ( وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )[الأنعام : 59].

في التاريخ حقائق وأوهام ، وظنون غير محققة ، وفيما عدا الخطوط الكلية التي يتفق عليها عامة المؤرخين ، ينفرد كل كاتب بروايته ورؤيته وتحليله ووجهة نظره ، وكثيراً ما يصطبغ ذلك بمذهبه وثقافته وانتمائه الطائفي ومعتقده ، فلا يخلص للحقيقة ، أو لا يستطيع أن يخلص لها .

اليوم أصبحت الدراما الروائية وما قبلها من الحكايا المكتوبة بعناية وعمق تكتب الحياة بشكل أفضل ، وها أنت تقرأ وترى التفاصيل الحياتية، وتدرك المشاعر والأحاسيس والانطباعات والخطرات والظنون وتقف قبالة الحدث وجهاً لوجه حتى كأنك تشعر به فتتلمسه ، أو تحسّ به .. وربما تشم رائحته!.

ها أنت تقرأ السياق الإنساني بعفويته وتكلّفه ، وخيره وشره ، وحلوه ومرّه ، وحسنه وقبيحه .

ها أنت تقرأ حياة الكبار ثانياً هذه المرة، أما أولاً فتقرأ حياة السذج والبسطاء والفلاحين والجياع والباعة والخدم والنساء ..

تقرأ التقلّبات والتحوّلات ، وتعرف كيف حدثت ، وكيف تطورت ، ومن أين بدأت وإلى أين انتهت .

حين يكتب التاريخ عن رجاله المشاهير من السّاسة والعلماء والمؤثرين ، يكتب عن الصورة الظاهرة ، والمواقف المنقولة ، والأحداث الشهيرة ، لكن ينسى أنهم بحكم كونهم بشراً لهم وجه آخر لا يقلّ أهمية ، مع نفوسهم إذا خَلَوا بها ، مع أزواجهم ، وصبيانهم ، وفي قعر بيوتهم ، وبعيداً عن الثياب الرسمية ، هناك ثياب " البِذلة " التي تبدو النفس فيها على طبيعتها بلا رتوش ولا أصباغ ولا ترتيبات .

وثياب البذلة هي ثياب المهنة التي يترك الإنسان فيها التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة , وهي حالة البستان التي قال عنها الشافعي : "الوقار في النُّزْهة سُخْفٌ" "أو ليس من المروءة الوقار في البستان" حين تقوم الطبيعة يقعد التكلف، وتقف العفوية يوم أن يسقط التصنع.

الصورة التي صار الإعلام يحاول إظهارها في الغرب من خلال ما يسمى بـ " تلفزيون الواقع " والذي حاكته الكثير من البرامج العربية؛ فأفلحت في استقطاب الملايين من المشاهدين ، وكسب الملايين من الدولارات ، ولكنها لم تفلح في التوظيف الإيجابي والبناء الإنساني والاستحضار الهادف ..

بدأ يراجع المقولات الموروثة :

التاريخ يعيد نفسه .. هل عرفنا التاريخ جيداً ، حتى ندري أيعيد نفسه فعلاً ؟

تاريخ ما أهمله التاريخ ، وهذا اسم كتاب ألّفه الكاتب الفرنسي: لويس دوكورانسي .

وهل يمكن استدراك ما فات المؤرخين ؟ وهل هو وارد في الحسبان ؟ هل نعد مجريات الحياة الجميلة العفوية تاريخاً يستحق التدوين ؟

لقد بدأ تدوين الغير مدون والغير معروف .. والأعمال المجهولة، واللحظات الدقيقة المغفلة.

فهل التدوين مقصور على الحروب والدماء والتشريد والمطامع والمكايدات السياسية ؟!

لقد كان الأديب الشيخ الطنطاوي يشكو في بعض مؤلفاته ؛ بأن الكثير من أحداث التاريخ الإسلامي كتب بلغة سياسية, تذكر فيه الأحداث السياسية والفتوحات وأخبار الخلفاء, ولا يدون فيه أخبار العلوم والمعارف والثقافات وخبرات الشعوب وأخبار الناس.

هذه السعة والبحبوحة والتنوّع الهائل في الناس والطبيعة والصور والمعاني والمشاعر والأحاسيس والأشكال والعواطف والعلاقات والإدراكات التي تملأ الجوانح؛ يعجز اللسان عن البوح بها ، كما يعجز القلم عن تدوينها، وهي تمثّل قدراً واسعاً من حياة الناس الإيجابيين ، وتمثّل نوعاً من أرقى أنواع العيش الكريم ، وتجربة تتكرر يومياً أو أسبوعياً أو بين الحين والآخر للعديد من الناس .. هل كُتب عليها أن تُنسى في ساعتها ولا يذكرها حتى ربما الذين عاشوها واستمتعوا بها ..

هل كُتب علينا ألا نذكر تلك الأحداث الضخمة التي تمثل انفجاراً مدوياً في حياتنا البشرية ..

نعم ؛ إنها أوسع من أن يسطرها قلم ، أو يدوّنها تاريخ ، اللهم إلا قلم الملائكة الكرام الكاتبين (  وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ) [الإنفطار/10، 11] .

ويتساءل المفسرون والفقهاء عن كتابتهم اللغو الذي لا يضر ولا ينفع ، وليس عليه ثواب ولا عقاب ..

وهل يكتب الملائكة الخطرات والهم والنية ؟

ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «  قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا هَمَّ عَبْدِى بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا ».

قال ابن حجر :"  وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي قَلْبِ الْآدَمِيِّ إِمَّا بِإِطْلَاعِ اللَّهِ إِيَّاهُ أَوْ بِأَنْ يَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا يُدْرِكُ بِهِ ذَلِكَ"

وقال النووي:"  فأما الهمّ الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ، ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم "

في عيون الأخبار لابن قتيبة ورسائل الجاحظ: أن الحجاج مع عتوه وطغيانه، وتمرده وشدة سلطانه، كان يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: " والله إن تروني إلا شيطاناً ؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبل رجل إحداهن! "

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 

Views :76Times

 

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 380 زائر على الخط

مقتطفات

نافذة ديمقراطية عنيزاوية

اثنان لا يجتمعان .. الأسطورة والديمقراطية

 

 

يا أرضنا العزيزة

نجيب الزامل


«السلفية»... هل هذا وقتها؟

 

عنيزة وأهلها في كتب الرحالة الأجانب

 


«المكارثيون»... بين الأمس واليوم

 


أيتها الديمقراطيه من رآك

سعود كابلي

 

صخر السعودي

 

لا لأسلوب الاستجداء والتمنن في العلاقات بين المواطن والمسؤول

 

التحيز والتصنيف

 

أين حالُ الأوطان من قِيَم الأديان؟

 

القيادة والقاعدة الاجتماعية...وآليات التغيير

 

المرأة بين القرآن وواقع المسلمين

 

هل مؤخرة روبي أهم من مقدمة ابن خلدون ؟؟!

 

أشباه الرجال!

 

متى تصبح الفكرة مبدأ؟

 

مفتي المملكة: التلاعب بـ«الإجازات المرضية» خيانة

 

الوطن.. القبيلة.. والطائفة

 

 

التلذذ بنقد الآخرين

 

أبشروا.. انتهى النظام السياسي العربي القديم

 

 

وجدنا آباءنا كذلك يفعلون

فضة الكلام

 

هذه حقيقتهم فانتبهوا!!


 

هل التزمت يا أبي؟!

 

 

حبُّ العفو والتسامح

 

 

في حضرة المستبد

 

أصدقاء الاسرة في مروءة ينفذون مشروعهم الأول لخدمة المجتمع

ليس رأياً

 

 

جناية جريدة الشرق الأوسط على المسلمين في حادثة النرويج

 

ظاهره الاتجار بالدين من منظور نقدي إسلامي

العنف والتعصب وجهان لعملة واحدة

 

اسرائيل اعظم دولة ارهابية في العالم ومعها امريكا !

 

 

ضعوا للثيران الهائجة ردائم


" أنا آسف "!


عيسى الغيث

 

الاحترام الكهنوتي لعلماء الدين بدعة

 

 

العمل التطوعي معيار سواء ووسيلة شفاء








مروان العياصرة








استبيان

لعن الله الراشي والرائش والمرتشي